مختارات‌

Wenochke
Wenochke
Wenochke
Wenochke

يفيق في طقوسه قبل الرحيل: عباس عسكر تجربة ويقين

هشام القيسي

يسير على وفق عوالمه، يمضي من خلالها ويتواصل، عبرتناسب جوهري يؤكد جذوره، وتنويعات الأزمنة. مشدود الى الأرض، يعيش مزهوا في عشقه بطقوس تلمس الوجد المتصاعد وحواراته. هويلوح بأشعاره الى مشارف الهموم، يستلهم الفروق والأشجار والكتابة البكر، يفيق لآلامه قبل الرحيل، ومكانه يتقد فيه غطاؤه الوحيد.وهو يعرف شروق نفسه، ويستمع الى أصواتها. يلاحق وجعها ويشهر أنفاسه فيها. لم يكن سوى انسان متداخل بالحب، زاه يخترق خفايا الأشياء، يصدح مع كل اهتزازة في داخله، وفي رأسه أحلامه. يتهامس ويتلامس في لحظات الوعي حيث الطيور والمفاهيم تنقب عن اعتراف كبير لامغفرة بدونه.
كل الأوراق الملونة الجاثمة حوله تتموج، وتوقظ الأندهاش، فهو لايأبه بما يجري خارج نطاق الروح والأنغام. عباس عسكر جعل في قصائده منافذ ا من زوايا روحه، ينتشل مايجول فيها، وما لم يفطن اليها سابقا. هو لم يتقدم في الشعر الا من خلال شوقه ووعيه، والأغصان المتشابكة حتى ليجعلك تعيش في حلم يهدر، ووهم على تخوم تحتفل. لهذا فصوت قصائده يتناهى الينا من كل جهة، نسمعه من حيث يقبل، ومعه العوالم الفسيحة التي حلم بها الشاعر.
اذن عباس عسكرلم ير من المسلك الأخضر سوى انتظار وشوق يغور في أعماق نفسه من اجل الحب والحرية، ومن أجل الخروج الى عالم الصحو، والمسافات الطويلة التي تنصت.
((الكبرياء ازارك)) قصيدة يفتتحهاالشاعر بمقطع نثري:
((وطني، نضائد من جمان مثقب
على أسلاك من ذهب
تتألق على أعناق العذارى..!
كل شيء في مراتعه الخضراء.. ))
لتكون الرحلة عبر صور متتابعة:
- فتق الأمنيات (( يفتق امنيات الفتيان...))
- التحدي (( يتحدى مخالب المنايا
رغم الجرح
رغم الحصار))،
- الكبرياء ((وهو الكبرياء ازاره
سيد الزمان
كم تغنينا على ضفاف أنهاره
أطفالآ.. ))،
- النشيد (( فأنت، اكسير دموع الفقراء
رغم قساوة الدهر
فأنت صوت يدوي
يتحدى المستحيل))(1)
ونشيده هذا هو اشراق وصنو للطمأنينة، ينفح فيه سر الحب الى حدود الرمز.
وبين الأنسيابية :
((قصائدي المطرزة
بلغة
من صبار الفراسخ
نسيتها في احدى مقاهي المدينة
ترى من يوقض الأستعانة
في اللهجة الضائعة..))(2)
والتفجيرية:
((قالت لاتقترب
دنوت، خلسة خلسة!!
وألقيت بمزاميري
في فصاحة الرؤيا
وكنت الغريق))(3)
قصائد وقصائد، وهي في كل هذه وتلك حالة التصاق صميم. أيضا بين ماكان يؤمن به، وبين ماتراءى له في السنوات المتصاعدة الدخان عبر تفاقم الأحداث، ومسارات اختلاط الأمور، الكثير، غير انه كان صادقا يحمل هموما اضافيةلأجل قطع الطرق الطويلة:
((لاشيء غير الفراشات
زجاج النافذة
أكثر انسجاما مع الشارع
الأغاني ترتعش
في أحلام زوارق الأطفال))(4)
وفيما هو قابع في تأملاته، يدرك بحزن كل العذابات التي تتهامس فيما بينها :
((حين داهمت الشجون
مملكة الشاعر
احترقت، قصائد الوجد
فمسه، شيء من الجنون))(5)
ومناجاة الشاعر تراها شاخصة في منزعها، تعبر عن عمق معاناته عبر أفكار وصور مترشحة من ضمير الشاعر ووجدانه:
((ياامي.. ليس بين جدراني
غير وجدي
وكتاب حكيم
ووجه أبي المقوض
رأيته، يشبه وجهي))(6)
وهو اذ يتحرر من الحوار والسرد، نراه في ومضاته تجربة أعسر وعمقا أبعد،
حيث ينطلق ألق الروح الذي يتجاوز كل مادونه:
((النخيل حزينة الأعناق
والعرس في مدينتنا
له قدسية
غير ان الكاهن
حين ينفض الناس
من حوله
يبكي على فتواه
بكل مرارة))(7)
وكذلك:
((التشوق مات
والساخطون، يبصقون
في حديقة الكاهن!!
كأنها، لم تدر، معنى نأيي من الملحمة))(8)
ان معاناته هي كنه همومه الذاتية، نختصر فيها تجربته الشعرية التي تعبر عنها قصائده، وتدل عليها:
((لولا المسبار
ماعرف غور الجرح
واستفاقت
وردة المطر
فسجا الليل، يمني الفؤاد
وانحنت لغة الرجاء
من تباريح الصلاة
تستنقب في مرايا المسافة))(9)
وفي مشاهد قصائده وتدرجات مقاطعه، تتحول بلا انقطاع أو تردد التجربة من حالة المحاكاة الى يقينها بشكل يعكس التداخل في وجدان الشاعر.
ان القيم الفنية التي تنطوي عليها اتجاهات قصائده انما تتجسد في نزعاته المتحدة بضميره، وهذه لاتشكل تباينا أو اختلافا بمقدار ماتؤشر مراحل التجربة التي عاشها بطقوس اليقين وصدقها وعمقها.
وبهذا بكون الشاعر عباس عسكر قد قفز بالشعر الكوردستاني قفزة نوعية حملت العديد من الدلالات بصور انسجمت مع طبيعتها ودورها، لذلك فهو حالة أصيلة منحدرة من أعماق النفس، تتجدد في رسالة انسان وشعر.
الهوامش:
(1) ديوان عباس عسكر/ قصيدة الكبرياء ازارك ص 9
(2) كذا / قصيدة رحلة في ظل السكوت ص 11
(3) كذا / قصيدة الخطوة الضائعة ص 19
(4) كذا / قصيدة زمات الفراشة ص 3.
(5) كذا / قصيدة – قصيدتان – ص 49
(6) كذا / قصيدة مالك المهرة ص 63
(7) كذا / قصيدة الحقيقة الثالثة ص 68
(8) كذا / قصيدة يقظة ص 71
(9) كذا / قصيدة غور الجرح ص 11

All rights reserved to Serdam.Org | Designed & Hosted by DeSian