مختارات‌

Wenochke
Wenochke
Wenochke
Wenochke

فرهاد بيربال في قصائد مختارة

يفتح باب الحوار مع المصادر الثقافية الأخرىb>
لقمان محمود
بتصورات و أدوات جديدة يمارس الشاعر و الروائي فرهاد بيربال إختلافه و تمرده على الكتابة الكردية الثابتة. حيث يسعى هذا الكاتب منذ بداياته إلى معانقة عوالم غير مألوفة، و غير متداولة، و ذلك بالتوازن بين الشجاعة و الموهبة. الأمر الذي أسس لحضوره كظاهرة أدبية اتسمت بإنفتاحها على الممنوع و المحرم و الفنتازي.
و هي محاولة لتحرير الواقع الثقافي الكردي و تحريك جموده، و تخليص الثقافة السائدة من الذاكرة المباشرة. و كل ذلك من خلال فتح نوافذ الثقافة الكردية، على معطيات ثقافية أخرى، إستجابة للقيم و التحولات الإنسانية الجديدة.
و لا شك في أنّ كل مبدع يتكون حكماً في إ طار ثقافة معينة، و يتأثر بها و بسياقها التاريخي، سواء عن طريق تراكمات الخبرة، أو عن طريق مستوى الإحساس.
و هنا، بإمكاننا القول أن المرجعية الأوروبية، و تحديداً الفرنسية، قد أصبحت ذات سلطة مباشرة على ثقافة الشاعر و الكاتب فرهاد بيربال.
و لتوحيد هذه الأدلة المتباعدة نسبياً، سأستند على رأي الباحث و المترجم المعروف نوزاد أحمد أسود، الذي يقول:
فرهاد بيربال، شاعر و قاص و روائي و باحث و ناقد، حصل على الدكتوراة في الأدب بجامعة السوربون في فرسا، حيث عاش فيها في العقد الثمانيني، و أصدر هناك مجموعة شعرية بعنوان « الغربة «.
في عام 1992، عاد إلى كردستان، ليصبح أستاذا جامعيا في كلية الآداب بجامعة صلاح الدين.
و في عام 1994، اصدر مع مجموعة من الأدباء مجلة أدبية بإسم « ويران»، و التي كانت بمثابة حوار مع المصادر الثقافية الأخرى، كضرورة لا مناص منها للتغلب على الحاضر الثقافي.
و مع هذا فثمة إحساس غامض يشد فرهاد بيربال إلى التنوع في جو من التسامح بين الأجناس الأدبية، المتجانسة سلفا مع التجريب، و الخاضعة أصلا لحلم التغيير. و ذلك ضمن لغة مغامرة يعكس الكثير من الفانتازيا. و يتجلى ذلك بكل وضوح في قوله:
« نتاجاتي تشبه غرفة جدرانها ملأى بالمرايا، و لأنها ذات جمال أخاذ يصيب القارىء الغربة والخوف، و أحيانا الضحك، و هذا سبب في أن لا يعترف القارىء في البداية بكتاباتي».
نفهم من هذا التصريح، أن فرهاد بيربال يحاول بكل قوته أن يكون خارج السرب، و خارج السائد، و لا أبالغ إن قلت: إن معظم كتاباته تنطلق من المفاجىء لا من المألوف، و من المجهول لا من المعلوم. و كل ذلك بدراية وبقصد، ليعطي إختلافه الذي لا تستقصيه القراءة السائدة. و مثالنا على ذلك رواية
« اللوطي»، التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية الكردية، بإعتبارها - اللوطي- قد نسفت كل المحرمات في مجتمع ما زال خجلاً من قراءة رواية تتكلم عن الجنسية المثلية بكل حرية، و بكل طلاقة.
و هذا ما جعل المسافة في هذه الرواية تتصاعد إلى درجة الصرخة، و هي في طريقها إلى الوصول لطبيعة الإنسان العاري من الأقنعة و العادات و التقاليد.
و لا بد لنا في هذا المجال من الحفاظ على ما أخفقنا في الإحتفاظ به من طاقات نفسية متراكمة، و إعادة التصنيف من مصادرها الحساسة، المعرّضة - أحيانا- لخيبة الأمل، مع ما تفرضه ضرورات الحداثة من مواجهة لإثارة القلق الثقافي و الأخلاقي، الخارج عن بيئته الإبداعية.
من هنا تصبح هذه الكتابة- هذه الحداثة حسب « فاتحة لنهاية القرن» خارج الإبداع. إذ يوضح أدونيس ذلك بكل صراحة، عندما يقول : ليست كل حداثة إبداعا، اما الإبداع، فهو أبدياً حديث.
فليس من المعقول أن نسقط النظريات الغربية الحديثة بقوالب جاهزة و مجمدة على حياتنا و ثقافتنا و نجعلها مرشدا و مقياسا موحدا لنا. و لا سيما إذا أدركنا أن الحداثة تتعرض للتعديل و للتجديد في أغلب الأحيان، بدليل أن الحفاظ على إنسانية الإنسان- في الوقت الراهن- أهم من كل صياغات الخطاب الحداثي المهدد على الدوام بالتخلي عن تقاليده، في خدمة النشاط الإنساني الخلاق. و إذا ما إلتفتنا إلى الحداثة، من خلال معطيات الواقع الجديد، و من خلال متغيرات الحضارة الظالمة، يمكننا التوصل إلى نتائج متحالفة من حيث إصدار البيانات الأدبية التي تقيّد الإبداع على الأغلب، بسبب إنحيازها إلى رسالتها الحداثوية، أكثر مما هي منحازة إلى العلاقات الإنسانية التي أخذت تتبدل في ظل الحضارة المشروطة بالقتل و التدمير.
و حسب ذلك يمكننا تلخيص بيان فرهاد بيربال، و فق طروحاته الشعرية و الأدبية إلى مئة و ثلاث و ثلاثين خاصية، تميز تدميرية الحداثي عن غيره، و أهم هذه الخاصيات هي:
أولا:أن تكون في النص رؤيا شخصية و فردانية جدا، رؤيا تدميرية ضد الأذواق السائدة، رؤيا عدوانية ضد الرؤيا السلفية.
ثانيا: أن يكون للنص شكل عجيب و أسلوب غريب و تكنيك مدهش.
ثالثا: يجب أن يكون النص الحداثي متميزا و شاذا يهدد المصالح و السمعة الأدبيتين لأولئك الأدباء و الفنانين الذين تتجاوز أعمارهم الأربعين.
تنطوي هذه الإشارة إلى تأسيس قراءة لكتاب» قصائد و قصص من الأدب الكردي المعاصر»، للشاعر الحداثوي فرهاد بيربال المشحون بالتجريب و الغرابة بكل حواسه و أدواته الكتابية و هي محاولات جادة- من الشاعر- لمحو المسافة الفاصلة بين الماضي و الحاضر، بين الذاكرة و النسيان، بحيلة إحتمالية تنطوي على الغموض و الفانتازيا، من خلال ألم يقظٍ في حدوده المعلومة، رغبة منه في ضبط الإحساس بالخسران و بالخيبة، حيث لا يجد الشاعر في نهاية الأمر سوى الوهم في محاذاة الفراغ المحتج و الصارخ بواقعه القصدي المفترض، كما في قصيدة: « بورتريت لصديقي سركون بولص»:
في باريس في محلة ( سانت دونيس) في شقتي، من بين صوري القديمة التي تعود إلى ثلاث عشرة من السنين
أعثر على قنينة براندي
أشربه حتى الثمالة
أتذكر حبيبة لي قبل سبعة عشر عاما
أصدقاء قتلوا في الحرب العراقية- الإيرانية
منتصف الليل و سكارى أصياف أعوام السبعينات
و الزقاق البهي الذي ودّعت فيه والدتي
و السجن الذي حين تركته
تنازع فيه السجناء على بطانيتي
كذلك عدد من الشقق القديمة المبتذلة
في طهران و دمشق و أنقرة..
و عاهرات كن حتى الصباح يسعلن في فراشي
أقذف قنينة البراندي من النافذة
قد تصيب رأس لاجىء أفريقي
يصرخ و يقذفني بشتائم مرة.
تختزن هذه القصيدة إشارات حزينة من أجل تدوين لحظة مذهلة من الإتكاء على الإبتعاد القسري عن المكان الحميم، في زمانٍ كان شديد الوضوح و القسوة على الإنسان المغلوب على أمره إزاء القهر المنهجي.
من هنا تصبح القصيدة مرحلة إنتقال من الوطن إلى الغربة، وفق ما تمليه الذاكرة من معطيات واضحة و ملموسة، يختلط فيها الشخصي بالآخر، التاريخ بالوقائع، و الوعي باللاوعي، بحيث تصبح القصيدة على مستوى الإبداع، مساحة جديدة لا تخلو من رائحة رحلات قسرية إلى منافي متعددة في العالم، يمزجها الشاعر مع الإنكسارات و الخيبات التي عاشها، سواء على مستوى الجسد، أو على مستوى الذاكرة.
و لا شك في أن قصيدة فرهاد بيربال تسير في إتجاهين مختلفين: اتجاه السطح ، و اتجاه العمق . و تكتب بلغتين مختلفتين :اللغة الشعرية، و اللغة السردية . حيث هناك محاولة جادة للإستفادة من السرد، و توظيفه بما يخدم الشعر، كما في قصيدة «م» التي تخاطب العقل بالدرجة الأولى، و ذلك بالتداخل بين الأفكار الإنسانية لإنتاج معنى تمس أسئلة الحياة بشكل عام:
يقول كافكا: كل شيء أسود.
يقول جيمس جويس: كل شيء رمادي
يقول مودلياني : كل شيء هو رقبة طويلة و رفيعة.
يقول ستريندبيرك: كل شيء هو عراك مستديم بين الرجل و المرأة.
يقول داروين : كل شيء هو الإنتصار للأقوى.
يقول لورانس: الجنس هم كل شيء.
يقول نيوتن: كل شيء هو نسبي.
يقول ماركس: كل شيء هو الإقتصاد.
يقول غوركي: كل شيء عبارة عن نضال الطبقة العاملة.
يقول بروتون: كل شيء حلم.
يقول أراغون: كل شيء هو إيلزا.
يقول صادق هدايت: كل شيء هو فنتازيا.
يقول مونيه: كل شيء هو وردي.
و أنا أقول: كل شيء هو العجز عن إحتضان الجمال!
هذه الأفكار التي إنتقاها الشاعر لقصيدته، تلامس الواقع، و تضرب في عمق الحقائق. وهي في النهاية ليست سوى سياقات من السرد صاغها الشاعر بوعي عميق، كي يحدث تناصا مع الخطاب الإنساني، و تقديمها بغير شكلها المألوف و المعتاد، برؤية موضوعية تجسد المعنى الجوهري المختلف لمناطق ضرورية في الأفكار، و ذلك بإيقاظ الشوق الدائم إلى الكشف المتجدد، و إزاحتها نحو الأفق الإنساني الأكثر رحابة، و التي تحمل تجارب إنسانية مختلفة.
و بذلك يمكننا القول أن الشاعر فرهاد بيربال إستطاع من خلال هذه الموضوعات النبيلة المقصد، أن يعيد إلى العبارات المتناقضة مسحة جمالية، تحاكي الواقع- لكن على الأغلب – بطريقة غير تقليدية.

All rights reserved to Serdam.Org | Designed & Hosted by DeSian