كتاب الأيام والشجر 
هشام القيسي
هو يشهر عمقه، ليضمد نداء التراب، وهمس النفس. يقدم نفسه وبه جذور أرقها الحزن، ليس كسابقات الحزن، غير ان الحنين الى محقه يعد خيمة يستريح بها، ويطمئن، ومن خلاله الشجر والنبض والضوء المؤتلق.
وهو يريد الوقوف دائما خلف الزجاج الكاشف وأمامه ليتوحد ويقتسم السر واللحن والمفكرة التي تطرد التعب حتى يصير الهدوء عوالما ، ويصيرهموما موزعة ترقى الى شحنات حب أصيل يعانق الجذور والأفق البهجة المتمردة في الأحداق 0 أكونه يصول أم يشعل في المفكرة يقظة وتجربة تسكن الذاكرة ولا تهدأ قليلا.
انه كتاب أيامه، محبوس في حزنه، مثلما هو مستفيق فب صرخته، انه مملوء، لآمع، نسيج عميق، متمرد، يحاور في فصوله كل العقول والقلوب. يتجول فيها قبل أن يدور عليها بسوره ، هنا بيننا تدخل وتخرج
لتقيم احتفالية لم تكن غائبة مفرداتها ، لكن المواسم كانت قد فرضت الشوك
السياسي، وحملت في أجندتها أوراقا أوصدت كل أسماء الأنتظار.
شيركو بيكس، يعرفه الشعر، ويتناثر حوله على مساحات حمى العشق
والبرق والدرب الوحيد.
في طريقه الى الوطن أسئلة مؤمنة تنادي بأسم كوردستان، وبأسم الخطو
الذي أشرع طقوسه وحولها الى اتجاهات تعبر الموج.
تقف معانيه لتتجاذبه بين البحر والذاكرة الحانمن مفكرة تضيء جسورها
وتستقر. انه مملكة تفتح فصولها للحب، مثلما يكتب كي تنهض الدروب الجميلة. وفي كل هذا وتلك دعوة ورحلة عاشقة الى حلم يغمر الطرق.
وسر تمسك به المسافات عبر أوجاع وحرائق ومشاهد باتت معروفة ومالوفة.
في البدء، كيف يكتب شيركو الشعر، ان لم يكن يكتبه الشعر، ليكون عاملا في تطوير مسيرة الشعر الكوردستاني والعراقي؟
سؤال لايخلو من اصول فكرية ذات طبيعة انسانية نشأفيها ضياء الماضي ومجرى حياة هي أشد تأثرا بالمكان ونهجه، وما ينطوي عليه من معان، هي أقرب من سواها الى المنطق والرؤية وماتجود به من معطيات 0 في المرحلة التي تلت يقظة مهاباد ، تعددت اتجاهات الشعر الكردستاني وأساليبه كمحصلة من ملامح التناقض بين الأتجاهات المتباينة على الصعيدالسياسي. ولعلنا لانبالغ القول ان قلنا ان هذا العامل كان الأعنف والأضخم في التأثير النفسي والوجداني. لذالك بدت واضحة سمات الصراعات ومتطلبات التوازن الدولي. ومن هنا انطلقت الروحية الكوردستانية وثابة، عنيفة في دعوة تجديدية سعت الى تأكيد الموضوع، وما يبرز قيمه ومظاهره . وفي هذا الصدد لابد من الأقرار بأن هذه الروحية ظلت واضحة المعالم ، هادفة الى تحقيق الأصول، في بناء فني أدبي يمتلك خصائص وتقاليد تعنى في كثير من الأحيان بالجماليات والواقعية والسعي الدائم نحو التفاعل مع الأنفتاح. من هذا المنطلق كان الجسر الذي عبر عليه الأيحاء، والتفصيلات التأريخية، والحالة الشعرية المتطورة، والأبداع ليكون فيما بعد قناعة ناطقة ومعبرا نحو اليقين.
في نطاق الرؤية الفلسفية التي يستند اليها الشاعر، ويستمد منها نظرته، وفي اطار ثقافته وقناعته، تكون المضامين والموضوعات غاية التأمل في التعامل، ملتصقة بشكل واضح تماما بموقف الشاعر المبدئي، مثلما يكون للشاعر اسلوب في النعبير يحقق فيها صلة راسخة صادقة وفق بناء فني نلمس فيه خصائص لغته، وحرصه الشديد على عالمه الأبداعي. لذالك كان الأنسان منطلقا محوريا أفلح الشاعر في خلق قناعات متعددة ومقاربات في هذا الأتجاه، كيما تكبر الحقيقة، ويقبر الزيف لأجل النهوض ودحر الخضوع ونبذ الواقع المتردي:
(( ارفعوا الأقنعة، ستنهار هذه المسرحية
ارفعوا الأقنعة، ستنهار هذه المسرحية
أبحث عنك ومنتصف الليل هو حفار قبور مدينة الأحلام
أبحث عنك وارتيابي فارس قادم
كي يحضر
في موعد تعارف ولآدتي وموتي ..))(1)
ان استخداماته اللغوية في عفويتها، ونثريتها، وتراكيبها لم تمنع استخدامات تلمس فيها الطبقات الصوفية:
((ياحضرة الكلمة المنورة والقلم الثلجي
يامن لسانك لسان كلمات الخالق البيضاء
وصمتك في الخلوة ساقية المعاني
ويامن انطواؤك وجد الليالي
للعشق المطلق،
فبعد رحلة مولانا السمندر
بقيت لديك شرارة ، كان رأسك فنار
أسفاره..))( 2)
والحادة:
(( أنا أرتاب.. أنا أرتاب
أولاترى كيف تختم الفؤوس
على أي باب ينفتح
بوجه شعاع مطرود
ومشرد؟
أولاترى
ماذا تفعل المقصات
بحق أية رسالة تكتب للمطر والرغيف ووردة الحبيب))( 3)
والتركيبية:
((على الجذر أن يرتدي سترة الألم
كيف تنبت الأزهار على الجسد
على الماء أن يغدو مرا
كي تثمر أذرع العطش
انظروا الي، كيف سأصيب رأس موت هذه الليلة
برمح الظهيرة المكتوي في يدي
انظروا الي
سأرفع هذه المرة راية موتي،
سأمضي...))( 4)
يتميز بيكه س بلغة شعرية أفصحت عن احتضانها لملموسات معنوية:
((وبأمكانه كتابة تلك الأسماء
على حائط غرفته
وأن يجعل بعضها
على كتاب المدرسة
صورا يرسمها
ولكن خالد
يرى من تلك الأطعمة يوميا
الفول فقط
ويجالس الفول وحده ))(5)
ومادية:
((ان الناس يرون
في سماء (مامه ياره) مرة في كل عام
صقرا،
يطير في الأعالي
يدور سبعا وعشرين مرة
ثم يحط
فوق كهريز (وه ستا شريف))(6)
وفق مستويات لغوية جميلة تعامل معها حتى وكأنها صارت جزءا منه،
وقراءتنا لقصائده تجعلنا نعي كنه اهتمامه بها وتجاربه في هذا الأتجاه،
وهذا مايضيف قدرة على الخلق والأبداع في عملية محاكاته وخلقه وتفجيراته وتشكيلاته.
ان الصور الفنية في قصائده تتسم بكونها حية وحيوية تتأتى من خيالاته اللأمتناهية، واتساع رؤياه، وابداعها، وهي تتطابق مع مايستقي سواء أكان من مضامينه الوجدانية والفكرية أومن محيطه وعصره وزمنه:
((مات مطر ما
أقامت الأرض له
مأتما كبيرا في أحد الحقول
لثلاثة أيام
من ناح أكثر من الجميع
في هذا المأتم
وأدرك الأحتراق القادم
كان أحد طيور قرية مرحلة ))(7)
وكذالك:
((أستضيف المطر
في غرفتي
حين غادر
ترك زهرة لي،
أستضفت الشمس
في غرفتي
حين مضت
تركت لي مرآة صغيرة))(8).
فيما تقدم اطلالة على مختارات ( أنت سحابة.. فأمطرك) والتي يصح القول فيها أيضا، أنها زاد على ضوء جبين الشعر أزهر ومعه كل السحاب ليمحق الجدب.
الهوامش:
-(1) أنت سحابة.. فأمطرك/ قصيدة التلوي ص 86
(2) المصدر السابق قصيدة مولوي ص 69
(3) المصدر السابق قصيدة التلوي ص 89
(4) المصدر السابق قصيدة سمكو لن يجلس ثانية ص 100- 101
(5) المصدر السابق قصيدة خالد ثانية ص 134.
(6) المصدر السابق قصيدة 27 مرة ص 149- 150.
(7) المصدر السابق قصيدة المأتم ص 156
(8) المصدر السابق قصيدة ضيافة ص 162 - 163
All rights reserved to Serdam.Org | Designed & Hosted by DeSian